محمد طاهر الكردي

56

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

بين كل أسطوانة وأسطوانة ، وصفة باب الكعبة وعدد مساميرها الملبسة بالذهب وصفة كل ذلك ، وصفة شاذروان الكعبة وعدده ، وصفة حجر إسماعيل وذرعه ، وذرع طوق الحجر الأسود . وكذلك ذرع مقام إبراهيم وصفته ، وذرع بئر زمزم وحجرتها ، وذرع المسجد الحرام وعدد أساطينه وصفة الأساطين ، وعدد طاقاته وصفتها وذرعها ، وعدد أبواب المسجد الحرام وصفتها وذرعها ، وعدد شرافاته وذرع جدرانه ، وعدد مناراته وصفتها ، وعدد قناديل المسجد الحرام والثريات التي فيه ، وذرع ما بين الركن الأسود إلى الصفا ، وذرع ما بين الصفا والمروة ، وصفة مسجد منى وذرعه وأبوابه ، وذرع منى والجمار ومأزمي منى إلى حد محسّر ، وذرع ما بين مزدلفة إلى منى ، وذرع مسجد مزدلفة وصفة أبوابه ، وذرع ما بين مزدلفة إلى عرفات ، ومأزمي عرفة ، ومسجد عرفة وأبوابه والحرم والموقف ، وعدد الأميال من المسجد الحرام إلى موقف الإمام بعرفة وذكر مواضعها . إلى غير ذلك مما يتعذر علينا استقصاؤه - هذا غير ما في تاريخه من الأمور والمسائل المهمة التي لا تعد ولا تحصى . هذا وإن المتأمل في تاريخ الإمام الأزرقي رحمه اللّه تعالى ليقف حيران كيف قام بتحقيق هذه المسائل صغيرها وجليلها ، ومن أين أتى بكل هذه المعلومات القيمة التي نرجع إليها الآن وقد مضى على وفاته أكثر من ألف عام ولا تزال المرجع الأول والدليل الذي عليه المعول إلى قيام الساعة . فهل كان مع الإمام الأزرقي لجنة من بضعة من العلماء يشاركونه التأليف - كلا - فلو كان كذلك لذكره الأزرقي بدون شك ، وكيف كان رحمه اللّه يأخذ قياسات الأماكن في أطراف مكة بل في أطراف الحرم ، ولئن خفّ عليه أخذ قياس الكعبة والمسجد الحرام ، فهل خفّ عليه أيضا ذرع ما بين المسجد الحرام إلى منى فمزدلفة فعرفات وما بين كل ذلك من المساجد والأماكن ، وكيف كان يذرع هذه المسافات الطويلة ولم تكن في زمنه سيارات ولا أمتار مطبوعة منظمة ، ولا آلات مقربة للمسافات وآخذة للقياسات . إن المتأمل في كل ذلك يقف حائرا معجبا داعيا له رحمه اللّه تعالى بالعفو والغفران ، والثواب على عمله والإحسان ، وأن يدخله اللّه تعالى فسيح جناته إنه بعباده لطيف خبير .